ساسي سالم الحاج
115
نقد الخطاب الاستشراقي
يوحى إليه وبين أفكاره الخاصة . كما لم يهتم « وات » بالمظاهر الجسدية للرسول في أثناء تلقيه الوحي وتسليط أعدائه عليه الأقاويل التي تصفه بالصرع ، فهو ينفي هذه التهمة نفيا قاطعا ، ويصف الأعراض التي تنتاب الرسول في أثناء نزول الوحي عليه بأنها لا تشبه أعراض الصرع ، لأن مرض الصرع يؤدي إلى تخاذل جسدي وعقلي بينما ظل محمد حتى آخر حياته مالكا لقواه العقلية ، إضافة إلى أن المظاهر الجسدية الملازمة - لنزول الوحي - لا تثبت ولا تنفي قط بنفسها التجربة الدينية « 1 » . وأخيرا يتساءل « وات » : هل كان محمد يستخدم طريقة ما لإثارة الوحي ؟ ، ويجيب عن ذلك بالنفي لأنه لا يستطيع تأكيدا أنه كان يرتدي دثارا لهذا الغرض ، وأنه يعتقد أن الوحي كان ينزل عليه في بداية الأمر بصورة غير منتظرة ، ولكنه كان من الممكن أن يكون - الدثار - فيما بعد وسيلة فنية « للتسمّع » في أثناء تلاوته المتأنية للقرآن وربما كانت هذه طريقة لاكتساب الآيات المفقودة في سياق كان يشعر به أنه ناقص . ويقول « وات » : إن تفاصيل هذه المسألة غير معروفة يقينا ، لكن يبدو من المؤكد أنه كانت لمحمد طريقة لتصحيح القرآن . وهذا يعني - بالنسبة إليه - اكتشاف الصيغة الصحيحة لما أوحي إليه في صيغة ناقصة أو غير صائبة . وعلى كل فإن مسألة ما إذا كانت لمحمد طريقة يستجلب بها تجربة الوحي بالتسمّع أو التنويم المغناطيسي الذاتي أو غير ذلك أمر لا تعلّق له بحكم عالم اللاهوت على صحتها » « 2 » . ويتحدث « وات » في هذا السياق عن أصالة القرآن الذي يراه الكلام المنزّل الموحى به من اللّه إلى محمد . فاللّه يتحدث إلى محمد وإلى أتباعه عن طريق الوحي بكيفياته الثلاث . فالمسلمون يعتقدون أن القرآن هو كلام اللّه ومحمد يتلقاه على هذا الأساس وهو مخلص تمام الإخلاص في عقيدته هذه . ومن هنا كان يفرّق بين ما يوحى به وبين كلامه الخاص . ولو كان يعتقد أن بعض ما ينزل عليه كان من بنات أفكاره فإن حركته الدينية لا أساس لها . وإذا قلنا إن محمدا كان مخلصا في اعتقاده فإنه لا يعني ذلك إن ما يعتقده هو الآخر كان صحيحا . فالمرء يمكن أن يكون صادقا ولكنه يخطئ ويصيب وليس من الصعب على العالم الغربي الحديث أن يحدد بعض أخطائه خاصة إذا كان ما يوحى به إليه يأتي من خارج ذاته نتيجة لشعوره . ولكن هذا ليس حلّا نهائيّا
--> ( 1 ) المرجع السابق ، ص 101 . ( 2 ) المرجع السابق ، ص 102 بتصرف .